full screen background image

التناحة كنز لا يفنى

لو حاولت إنك تفحص وتدقق عن أصل وفصل كلمة "التناحة" فسوف تجد أنها كلمة فضفاضة وتحمل كثير من المتناقضات، فالتناحة قد تعنى التركيز الشديد على شىء ما بعيون زائغة خالية من الإحساس ولكن يبدو عليها الغباء الشديد والبلادة وعدم الفهم رغم شدة تركيزها ونظرها إلى هذا الشىء اللاموجود، والشخص الذى يمارس هذا الفعل قد تظبطه إذا دخلت عليه فجأة مركزاً فى شىء أمامه لا يراه إلا هو ويبدو عليه التفكير بعمق كأنه يخترق حجاب المستقبل ويقرأ غيبياته ويفضح أسراره، وإذا تتبعت  نظراته لتتعرف على هذا الشىء الغامض الذى سلبه كل تركيزه وإستحوذ عليه بهذا الشكل ستُصدم بالتأكيد لأنك ستجد عيناه رغم كل هذا التركيز مليئة بخليط من البلاهة والغباء الشديد و قد يصاحبها فى بعض الأحيان إنفراج فى الشفتان بإبتسامة صفراء مع بعض من دلدلة اللسان، ويطلق على هذا الشخص فى هذه الحالة إنه "متنح" أى أنه يمارس فعل التناحة وهو فعل بالمناسبة متاح للجميع فى أى وقت وفى أى مكان، حيث أنه لا يتنافى مع الآداب العامة ولا يخدش الحياء ولا يُجرّمه الدستور ولا القانون رغم ما يصيب المجتمع من بلاوى ومصائب من جراء التعامل مع مثل هؤلاء المتنحين.

التناحة13594987331506

فالكائن التنح هو فى الحقيقة كائن إجتماعى سمج بطبيعته لدرجة الغتاتة صعب إقناعه بالمنطق والعقل متصالح مع نفسه فقط مختلف دائماً مع الآخرين ويتغذى بكل برود على أعصاب من هم حوله يعيش ويترعرع وسط المجتمعات المأهولة والعامرة بالسكان حياة آمنة ومستقرة بحكم طبيعته اللزجة ولكن عندما تصطدم مصالحه مع مصالح الآخرين يستغل جيناته الباردة كنوع من الدفاع عن النفس ويستطيع بتناحته الفطرية والتى حباه الله بها وخصه بها عن غيره أن يُخرج الطرف الآخر عن شعوره وأن يهزمه بالضربة القاضية بعد أن يُدخله فى حالة من التوتر والإنفعال قد تصل به إلى حد الجنون و يجعله يخسر معركته بسهولة أمامه وهذا النوع قد تجد منتشراً و بكثرة بين الأزواج والزوجات فى بعض البيوت المصرية الأصيلة.

خناق الأزواج

والأشخاص المتنحون قد تتعرف عليهم بسهولة مهما كانت درجة إختلافتهم الثقافية أو الإجتماعية فهم حولك منتشرون فى كل مكان فى الشارع وهم يعبرون أى إشارة مرور مخالفة سواء كانوا مشاة أو سائقون ولا يوقفهم شىء عن تناحتهم مهما كانت درجة الإرتباك والفوضى التى يتسببون فيها، أو قد تجدهم فى أى جهة حكومية أو أى مؤسسة خاصة أو عامة ولا يفرق معهم أى إهدار للوقت أو المصالح أو تعطيل للمراكب السائرة كما يقولون، المهم عندهم التناحة على المواطن والذى حوجته الأقدار والظروف وحظه العاثر لهم. 

فصفاتهم أينما وجدوا واحدة وقدرتهم على الجدل العقيم وإخراجك عن شعورك حتى تتصبب عرقاً وتتنازل عن قضاء مصلحتك وترفع أمامهم الراية البيضاء إقراراً منك بهزيمتك أمام تناحتهم أمر لا يختلف عليه إثنان.

لكن أشد أنواع التناحة وأكثرها خطورة على المجتمع هى التى ظهرت فى المجتمع المصرى فى السنوات الأخيرة فى فترة ما بعد الثورات وتفشت بين ما يدّعون أنهم المثقفون ونُخب المجتمع وبعض النشطاء والإعلاميون والذين يصدرون تناحتهم للرأى العام طول الوقت ولا يرون ولا يسمعون عن أى إنجازات ويدعون أنهم فقط الفاهمون والعارفون فى كل وأى شىء وهم فقط الذين يخترقون أستار المستقبل ويعلمون الغيب ويرون أبعد ما يراه عامة الناس أو حتى الأنظمة التى تحكمهم ومهما كان حجم البناء والتعمير ومحاولات الإصلاح والتغيير إلى مجتمع أفضل يستدعى تكاتف كل الجهود فهم لا يريدون الإعتراف بأى صلاح، فقلوبهم المتحجرة لا يرون بها إلا الخراب ولا يصدرون للمواطن البسيط إلا اليأس والإحباط ومهما كان حديث العقل والمنطق معهم عن المستقبل المشرق والأمل المنشود لا يحدثوك إلا عن الإنقلاب والعسكر و بلطجة الداخلية والحريات المفقودة والشباب المحبط والمضطهد.

إبراهيم عيسي

كل هذا السواد يصدرونه للمجتمع وهم متنحون بأفكارهم فى أبراجهم العاجية لا ينزلون إلى البسطاء للشد من أزرهم ولا يتنازلون عن مآربهم فالتناحة فى نظرهم أصبحت أيضاً نوع من البلطجة الفكرية بل هى أيضاً أصبحت بالنسبة لهم أسلوب حياة فكلما تنحت أكثر على الخلق وسددت أذنك عن أى محاولات للفهم أو الإقتناع وركبت موجة الإعتراض طول الوقت أصبحت سيدهم وتاج رأسهم فالتناحة بالنسبة لهم بالفعل هى كنز لا يفنى ومهما أخذت منه ينمو ويزيد وبالتالى تنمو معه كروشهم وأموالهم.




  • Samir Mouner Shaker

    كلمك مظبوط و منهم الأستاذ خيرى رمضان و مجدى الجليد و مرتض منصور و البؤهامى

error: Content is protected !!