full screen background image

الكومبارس

إستفزنى جداً خبر قصير وغريب على الصبح فى جريدة المصرى اليوم عن إستعانة إدارة مستشفى الخارجة العام بمحافظة الوادى الجديد بمجموعة بشر أصحاء لتمثيل دور المرضى فى المستشفى خلال زيارة المحافظ وتفاصيل الخبر بتقول إن المرضى الكومبارس إفترشوا الأسرّة خلال الزيارة وتظاهروا بالمرض وخضوعهم للعلاج وتم تركيب "كانيولا" لهم كدة وكدة يعنى فى أيديهم بدون وجود أدوية أو محاليل بها إلى أن يمر السيد المحافظ ويقوم بتوزيع الهدايا عليهم ويلتقط معهم الصور التذكارية وكل المطلوب من المريض "الكومبارس" فى هذه اللحظة الحاسمة من عمر الوطن أن يبتسم فقط فى وجه السيد المحافظ علشان الصورة تطلع حلوة ويتقبل منه الهدية الملفوفة بورق الهدايا والشرائط الملونة على شكل فيونكة والتى قضى سيادة المحافظ الليل بأكمله يلف فيهم مع أرق تمنياته لهم بقضاء عيد سعيد على سرير المرض فى المستشفى ودعواته لهم بالشفاء العاجل.

الكومبارس

ومن ضمن تفاصيل الخبر اللوز ده إن إدارة المستشفى طلبت من شركة الأمن والنظافة المتعاقدة مع المستشفى أن يقوم عمالها بدور المرضى الكوبارس مع وعدهم لهم بقضاء "داى يوز" فاخر فى المستشفى أكل وشرب وتنطيط على سراير المستشفى مع هدايا وسيلفى مع المحافظ ولكن العمال الشرفاء رفضوا ويبدو أنهم تشاءموا وإعتبروه فأل سىء ولأنهم وش فقر ومالهومش فى الطيب نصيب إضطرت إدارة المستشفى تحت مرأى ومسمع وكيل وزارة الصحة إلى الإستعانة بغرباء لتمثيل هذا الدور المؤثر وبعدها فركش.

ولم يحضرنى للتعبير عن غيظى فى هذه اللحظة بعد قراءتى للخبر سوى قول حضرة الناظر عبدالمعطى فى مسرحية مدرسة المشاغبين للطلبة الفشلة اللى عنده فى المدرسة "الله يخرب بيوتكم والبيوت اللى جنب بيوتكم" 

وإن صحت هذه الواقعة وهى على مسؤلية الجريدة فالكومبارس هنا ليس فقط المريض الفشنك الذين تم صرفه من إدارة المستشفى للتصوير مع سيادة المحافظ بل المحافظ نفسه الذى ذهب فقط للتصوير ولتوثيق مدى حنيته ورقة قلبه وإقتصرت مهمته فقط على لعب دور سانتا كلوز الذى يقوم بتوزيع الهدايا فى الأعياد والمناسبات وسمح بوجود كل هذا الفساد والتدليس فى مؤسسة حكومية فى محافظته وبالتأكيد زيارته كان معلن عنها قبلها بعدة أيام ومتظبطة ومترتبة والكاميرات مستعدة بدليل معرفة الجميع بها والتربيط مع المرضى المزيفين بدلاً من أن تكون زيارة سرية مفاجئة لظبط أى فساد أو تقصير داخل المستشفى.

ويبدو أن مهنة الكومبارس والتى كانت موجودة فقط فى عالم السينما وكان كل دوره يقتصر فقط على قول جملة قصيرة أو مجرد المرور أو التواجد داخل الكادر مع البطل فى الفيلم إنتقلت إلى الحياة العامة وأصبح الكومبارس موجود فى حياتنا اليومية داخل كل مؤسسة أو مصلحة حكومية أو وزارة  وحتى داخل بيوتنا فكم من مسؤول حكومى إكتفى بلعب دور الكومبارس داخل مؤسسته ؟ وفى الحقيقة هو غير مسؤول أصلاً عن أى شىء ويترك الفساد يستشرى داخل مؤسسته وهو يتصدر الكادر فقط وقت الإحتفالات والتكريمات من أجل تلقى التهانى وإلتقاط الصور ويكون البطل الحقيقى هو الموظف المطحون تحت يده والذى يتلقى اللوم والتأنيب والخصومات لو حدث أى تهاون أو تقصير.

كم من أب يلعب دور الكومبارس داخل بيته وفى حياة ولاده وتربيتهم ولا يعرف أى شىء عن طلباتهم أو إحتياجاتهم ويكتفى بلعب دور الآمر الناهى الذى يعطى فقط الأوامر والتى يجب أن تنفذ على رقبة الجميع ويلقى بكل الهموم والأحمال على عاتق زوجته والتى تلعب عن جد دور البطولة المطلقة فى حياة أولادها ويكتفى هو بمجرد الظهور فى الكادر وقت تخرج أحد الأبناء أو زواجه لمجرد فقط أن يكتمل المشهد العائلى.

وكم من أم لعبت دور الكومبارس فى حياة أبنائها بعد طلاقها وإنشغلت بحياتها الجديدة وأبنائها الجدد وتركت أطفالها فريسة للوحدة والتشتت بين فريقين متنازعين يكرهون بعضهما والإكتفاء فقط بالظهور فى كادر الصورة من آن لآخر بدون تحمل أى مسؤوليات.

قد يكون دور الكومبارس مهم فى الحياة السينمائية لإكتمال المشهد وليبدو واقعى وطبيعى ولكن من الصعب جداً تبديل الأدوار وإعطاء دور البطولة المطلقة لمن لا تتوافر فيه سمات البطل إلا إذا تمرد ذلك الكومبارس على نفسه وإشتغل على حاله وقرر أن يقتحم عالم البطولة بكدّه وتعبه وموهبته وقرر قلب الموازين لإثبات نفسه أولاً وإحراج الكسالى الآخرين المعتمدين عليه طول الوقت،

وقتها فقط يستحق أن يخرج من عباءة الكومبارس وأن يرتدى ملابس البطل وينفرد بالكادر بأكمله ويتصدر المشهد لكن بشرط ألا ينسى أنه كان مجرد كومبارس فى يوم من الأيام أتقن اللعبة وإكتسب الخبرة ولكن يجب ان يحذر فهناك غيره كثيرون ماهرون أيضاً لايزالون كومبارس ينتظرون دورهم فى اللعبة لإخراجه بره الكادر فى لحظات غروره ولعب دور البطولة كما لعبه هو من قبل.

بقلم إيمان حكيم